توظيف الذكاء العاطفي في القيادة

خمس طرق لدفع العمل الجماعي الهادف على نطاق واسع

من المتعارف عليه أن تجاهل الأزمات يعتبر بالأمر السيء، إلا أن محاولة القياديين دفع إرادة العاملين للاصطفاف خلفهم في محاولة منهم لمنع أو معالجة الحالات الطارئة، يعتبر من المسائل الأكثر خطورة التي يواجههونها اليوم. فالقيادة ليست بالجلوس حول طاولات المؤتمرات ووضعمبررات وخطط عمل بهدف إحداث تغيير استراتيجي، والذي قد يثبت فشله في تحقيق أهدافه في وقت لاحق. ففي مكان ما، وبطريقة أو بأخرى، نجد انعدام للتواصل بين أولئك الذين لديهم رؤية كبيرة وأولئك اللذين يقع على عاتقهم مسؤولية تنفيذها، كما لو أن كلا الفريقين لا يعملون بنفس المكان، أو حتى ذات الفريق.

قد يكون هذا النوع من الفشل في تنفيذ الاستراتيجية أكثر شيوعا مما يعترف به معظم التنفيذيين. فالتفكير  والمنطق الواضح باستطاعته رسم المسار للوصول لقمة النجاح، ولكن الالتزام والشجاعة بتحدي المخاطر ينبع من القلب فقط. وبما أن الكثير من القياديين اكتشفوا أن الوعود الشفوية لا تعني الكثير عندما لا تكون مدعوماً بالإرتباط الوجداني الجماعي .

تقّدم مجموعة كبيرة من المؤلفات حول “الذكاء العاطفي” نصائح حول كيفية إلهام القياديين للآخرين بشكل منفرد أو كمجموعة صغيرة. ولكن خلق تأثير يلهم الآخرين والذي يمكن لمسه من خلال مجموعات كبيرة يتطلب مع ذلك مهارات مختلفة.

المشاعر الجماعية                                             

هناك قادة ملهمين شكلوا التاريخ، مثل مارتن لوثر كنغ الابن، من خلال بلورة قضيتهم إلى صرخة للملايين، ولكن فإن الجزء الأكبر من الانتصارات السياسية أقل من أن تتعلق بالكاريزما وأكثر منه أقوال وأفعال مدبرة بعناية. يمكن تحفيز مجموعات كبيرة من الناس عند رصد الدافع، كشئ أو شخص ما يقدرونه كثيراً، بقدر فرح الآلاف من عشاق الرياضة بفوز فريقهم حتى لو لم يحصلوا على أية مكاسب ملموسة، تعود عليهم شخصياً. أظهرت الأبحاث أن هذه الظاهرة الاجتماعية المعروفة بـ “العاطفة على مستوى المجموعة” ذات أهمية كبيرة في تنفيذ الاستراتيجية.

إدارة عواطف المجموعة له أهمية خاصة عند الأزمات، عندما يهيمن الشعور بالخوف على الناس لخوفهم من أن تزداد الأمور سوءاً في المستقبل. ويسفر عن الخوف الجماعي شعور آخر بنفس القوة، لذا بدلا من محاولتهم الحديث عن خططهم للخروج من هذه المشكلة، يحتاج القادة لأن تتماشى أقوالهم مع أفعالهم، لإلهام المشاعر البناءة مثل العاطفة والأمل واحترام الذات.

رينو – نيسان

تشير البحوث إلى أن القادة العظام بإمكانهم استخدام خمسة ركائز لتطوير هذا النوع من رأس المال العاطفي داخل المؤسسات. لجعل المناقشة مادية قدر المستطاع ساستخدم كارلوس غصن وتحالف رينو-نيسان كمثال على ذلك. استثمرت رينو في عام 1999، أكثر من خمسة مليارات دولار للاستحواذ على حصة الأقلية في شركة صناعة السيارات اليابانية نيسان. كانت شركة نيسان مثقلة بالديون، خطوط الإنتاج غير مربحة، وخسائر لأكثر من ستة أعوام خلال السبع سنوات السابقة. خشيت شركات صناعة السيارات الأخرى أن تتطرق للشركة، ويرجع ذلك جزئيا إلى تخوفها من مقاومة الشركة اليابانية للتغيير حتى في ظل الصعوبات المادية الخطيرة. زاد شكوك المراقبين الفروقات الثقافية الملموسة بين فرنسا واليابان حول الاستثمار، مع توقعات العديد بالفشل الذريع. اختارت الإدارة التنفيذية في شركة رينو كارلوس غصن لإدارة هذه العملية. وحدثت المعجزة في غضون ثلاث سنوات، حيث أصبحت نيسان شركة رابحة، ليس فقط من خلال خفض التكاليف ولكن أيضا من خلال قيامها بخطوات هائلة في مجال الابتكار.

الركائز الخمسة لبناء رأس المال العاطفي

في حال طلب من غصن شرح أسباب نجاحه، لكان على الأرجح سيشير إلى أبرز أدوات التغيير التقليدية، مثل بناء الثقة والشفافية، ووضوح أهداف التغيير، وما إلى ذلك. وفيما يبدو ذلك منطقياً، فإن التفسيرات التحليلية  تعطي مبررات بديهية، لكنها لا تفسر تماما أسباب نجاحه بشكل ساحق. ولإعطاء  صورة أفضل عن كيفية نجاحه، سأبين كيف قام غصن ببراعة في تطبيق هذه الأدوات لاستنباط خمسة أنواع مختلفة من العواطف الجماعية :

 مصداقية تتسم بالاحترام– اصطفاف الفكر والفعل، والمشاعر. أدرك غصن أن محاولات البدء بالتغيير من بداية الهرم ستبوء بالفشل. وكان عليه أن يفتح قنوات اتصال غير تقليدية للنقد البناء. وبناء عليه قرر أن تعقد جميع اجتماعات الإدارة العليا، وأن يتم تحضير جميع التقارير باللغة الإنجليزية. لذا كان بإمكان هؤلاء القياديين أن يبدأوا من جديد على أرض محايدة. وبذلك، أعد غصن الطريق لمناقشة صريحة ومفتوحة في الاجتماعات الرسمية (وليس في الأروقة)، وشجع المدراء اليابانيين على مناقشة وجهات نظرهم والاختلاف معه. فالمشاعر المخفية تجاه القيادة والتغيير الحاصل، خاصة السلبية منها، يمكن التعبير عنها طالما تم ذلك بطريقة الاحترام المتبادل.

استحقاق الفخر–الشعور بالتقدير بسبب اختلافتنا والمساهمات الملموسة تجاه الآخرين، كانت بالأمر الهام بالنسبة لغصن. أشرك المدراء اليابانيين في تطوير الاستراتيجيات وعين رئيس الشركة يوشيكاوا هاناوا كعضو من الجانب الياباني في اللجنة التنفيذية حفاظاً على ماء وجهه. أثبت غصن لموظفيه من خلال قيامه بهذه الخطوة، أن الهوية الثقافية في نيسان شيء يجب الافتخار به.

الأمل الواقعي– الشعور بأن الإجراءات المتبعة اليوم ستغير مستقبل الجميع. استثمر غصن القليل من الوقت في إظهار ايمانه بنمو نيسان على المدى الطويل. وبحلول منتصف عام 2000، كانت “خطة إحياء نيسان” على قدم وساق، مع اعلان غصن خطته  لإدخال 22 طرازاً جديداً في السنوات الثلاث المقبلة. وعزمه توظيف مهندسين جدد للسيارات الكهربائية، واستثماره 922 مليون دولار أمريكي في بناء محطات جديدة في الولايات المتحدة. بالإضافة للنهوض بالأعمال من الناحية التجارية. شجعت تصرفاته هذه الموظفين على التركيز على آفاق مشرقة نيسان.

الاستياء الملهم– الإيمان بإمكانية تحقيق أكبر قد من الإنجازات. ليس بالأمر الإيجابي تماماً، فالعواطف الإيجابية الوافرة غالباً ما تكون دافئة وغامضة. وهناك مكان دائماً للتململ وعدم الرضا، طالما أنها لا تتحول الى اللامبالاة. حتى الطموح النرجسي بالإمكان توجيهه بالاتجاه الصحيح. بعد أن بدأت خطة إحياء نيسان تؤتي ثمارها، رفض غصن إعلان النصر النهائي، وقال: “أكثر ما يشغلني هو الشعور بالرضا عن النفس داخل نيسان.” فبالنسبة له، الأهداف بمثابة حبال للقفز فوقها. فالبشر يرغبون بأن يكونوا جزء من شيء عظيم. فلا يبدأ أي نعي  بعبارة “تمكن من تحقيق اهدافه“.

الحماس المدروس– الشعور العميق، الارتباط الوثيق الفعال. التحديات المثيرة و الجديدة تثير حماسنا أكثر من أي شيء آخر. ولإدراكه ذلك قام غصن بتجميع تسعة فرق متعددة الوظائف تتألف فقط من مدراء الإدارة الوسطى والأقسام المختلفة داخل نيسان وأسند لهم مهمة تطوير وتجديد استراتيجية طموحة للشركة. ومن المفهوم كيف أشعلت هذه السلطة غير المعتادة المعطاة لهم، عاطفة غير اعتيادية وفخراً، في الإدارة الوسطى.

من الملاحظ أن جميع الإجراءات أعلاه يمكن أن تنسب إلى الجدوى الاقتصادية وحدها. وهنا يكمن “سحر” إجراءات رأس المال العاطفي: فهي تستعرض الترابط بين المنطق في الدماغ الأيسر والعاطفة في الدماغ الأيمن، ولا تتطلب التواصل بشكل مباشر لإلهام جماعات كبيرة.

الخلاصة

في نهاية المطاف، بناء رأس المال العاطفي للعمل الجماعي هي مسألة تناغم دقيق  للاحتياجات  العاطفية لجمهورك سواء كانوا من العملاء أوالموظفين أوالمجتمعات. فالأنواع الخمسة المختلفة للعواطف الجماعية يمكن تطبيقها عند رغبة القادة بالسعي للتأثير على عدد أكبر من الأشخاص، باستخدام الدماغ الأيسر والأيمن للتشجيع على العمل الجماعي الإيجابي داخل مؤسساتهم.

كوي هوي، استاذ مساعد في الاستراتيجية لدى كلية إنسياد لإدارة الأعمال ومدير برنامج  تطبيق الاستراتيجية في برامج إنسياد للتطوير التنفيذي.

أضف تعليقاً