الاستراتيجية السريعة: المحافظة على الصدارة

ما السبيل إلى التأكد من أن شركتك لا تحافظ على تقدمها على منافسيها فحسب، بل تقتنص فرصاً جديدة أيضاً؟ يجيب البروفيسور لدى إنسياد (INSEAD ) إيف دوز (Yves Doz ) والمدير السابق لدى نوكيا (Nokia ) ميكو كوسونينMikko Kosonen) ) على هذا السؤال في كتاب جديد اشتركا في تأليفه بعنوان“الاستراتيجية السريعة: كيف تساعدك الحيوية الاستراتيجية على المحافظة على الصدارة”. ويقولان إن الطريقة الأفضل للقيام بهذا هي الاستفادة القصوى مما أطلقا عليه اسم “الحيوية الاستراتيجية”.

يقول كوسونين إنه واجه تحديات الحيوية الاستراتيجية سنوات طويلة خلال عمله رئيساً للاستراتيجية ومديراً لنظم المعلومت في شركة الاتصالات الفنلندية. وقد تعرف في نوكيا على بعدين من أبعاد الحيوية الاستراتيجية، كما يقول، وهما تحديداً الحساسية الاستراتيجية: أي نظرة المؤسسة إلى العالم وما إذا كانت هذه النظرة “منفتحة” ويقظة بما يكفي لتحسس الفرص الجديدة والطرق المسدودة، أما الثاني، فهو “سيولة الموارد” أي قدرة الشركات على السرعة في إعادة توزيع الموارد بما يتيح لها سرعة انتهاز الفرص السانحة في بيئة معقدة سريعة التغير.

يقول كوسونين: “لقد شهدت، شخصياً، كيف لحقت الخسارة تدريجياً بنوكيا ، مع أنها شركة رائدة، بعضاً من حساسيتها الاستراتيجية وسيولة مواردها نتيجة للنمو الناجح الذي حققته. لقد تفوقت في مطلع تسعينات القرن العشرين على إريكسون Ericsson () وموتورولا (Motorola ) بفضل حيويتها الاستراتيجية. ولكن بعضاً من هذه القدرات بدأ بالتراجع بمرور السنوات. وعندما حاولنا تغيير ذلك، أصبح الأمر عسيراً حقاً”.

ويوجز كوسونين ظروف إنجاز هذه الدراسة قائلاً إنه اتصل ببروفيسور الاستراتيجية لدى إنسياد إيف دوز للحصول على مزيد من المعلومات المتعلقة بالتجدد الاستراتيجي. وقام الاثنان بعد ذلك بإطلاق دراسة عن الحيوية الاستراتيجية أجريا خلالها حوالي 150 مقابلة في أكثر من عشر شركات وركزا بصورة رئيسية على ست مؤسسات رائدة في مجال التقنية الحديثة وهي: آي بي إم (IBM ) وإتش بي (HP ) وسيسكو (Cisco ) وساب (SAP ) وإنتل (Intel )، إضافةً إلى نوكيا طبعاً. وقد سمحت له نوكيا بأخذ إجازة من العمل لهذه الغاية.

ويقول دوز: “عندما طرق ميكو بابي، أثار فضولي في البداية ومن ثم أصبحت مهتماً حقاً”. ويضيف أنه توقع في البداية الإشراف على مشروع البحث تماماً كما يفعل مع طلاب الدكتوراه. وعوضاً عن ذلك، انتهى المطاف بدوز وكوسونين إلى العمل في البحث معاً.

ويشرح دوز: “عندما تنظر إلى هذا العمل، تجد أنه ينهل من خبرة ميكو ونوكيا من جهة، ومن كافة الدراسات الأخرى التي أجريناها في آي بي إم وإنتل وغيرها، وينهل أيضاً من أعمال باحثين آخرين في التجدد الاستراتيجي. لقد كان ثمرة تفاعل متواصل بين المعلومات النظرية، أي ما جلبته معي من الميدان الأكاديمي، وبين ما تجلبه نوكيا وباقي الشركات التي درسنا وضعها من الميدان العملي”. واقتضى هذا سلسلة من رحلات “طويلة لا تنتهي” في شمال فنلندا وبريتاني في فرنسا وبوسطن وبالو آلتو في الولايات المتحدة. ويضيف دوز: “لقد عقدنا اجتماعات تميزت بوقفة مع الذات امتدت أسبوعاً كاملاً كنا نحاول خلالها الجمع بين الأدلة العملية والنظرية معاً”.

ومن الاستنتاجات الرئيسية التي توصلنا إليها في هذه الدراسة: ينبغي أن تتمتع الشركات بالحيوية والمرونة في تفكيرها وعملياتها المؤسساتية. ويتطلب هذا مهارات قيادية من نوع خاص.

يقول دوز: “حاولنا البرهنة على أنك تحتاج إلى حيوية ذهنية وإدراكية، أسميناها الحساسية الاستراتيجية، ولكنك يجب أن تكون منفتحاً على العالم بصورة جوهرية ويجب أن تكون شديد اليقظة وأن تدرك فحوى الأوضاع المتطورة عند حدوثها. أعتقد أن من أهم التغييرات الحرجة هي أن الشركات كانت تقوم عادةً “بوضع” استراتيجية في سياق تخطيطها الدوري ومن ثم تنتقل إلى تطبيقها لخمس سنوات أو عشر سنوات، ثم تقف وتفكر ثانية (ما هي الخطوة التالية؟) أو تنتظر حدوث أزمة كي تناقش مدى صحة استراتيجيتها. أعتقد أن الوضع في أيامنا هذه مختلف تماماً”.

“ولدينا الآن هذه اليقظة وهذا الوعي لما يدور حولنا، هذه الحساسية والحيوية الذهنية الدائمة، وهذا التساؤل الدائم. وفي الوقت نفسه، لعل هذا يكون عديم الفائدة ما لم نتمتع أيضاً بالقدرة على إعادة توزيع مواردنا بسرعة ومن هنا تأتي أهمية سيولة الموارد باعتبارها من المقدرات الأساسية. إنها تعني القدرة على الاستثمار وعلى الإحجام عن الاستثمار، كما تعني بناء الأعمال وإعداد البنية التحتية لإطلاق أعمال جديدة خلال أيام معدودة. وتعني أيضاً أن تكون قادراً، إن لم ينجح الأمر، على الانسحاب بأقل التكاليف والقيام بشيء آخر”.

يقول دوز إن ثمة بعد أساسي ثالث للحيوية الاستراتيجية، وهو: وحدة القيادة أو الالتزام الجماعي الذي يجب أن تتحلى به فرق الإدارة العليا كي تتمكن من اتخاذ قرارات جماعية شجاعة والعمل معاً بغية إنجاز الأعمال بدلاً من تشرذمها بفعل التوتر المتواصل الملازم للمنهجية اللامركزية وبفعل تفويض وحدات الأعمال (أو مهامها) من جهة، والبحث عن وحدة المؤسسة من جهة أخرى.

ويقول كوسونين: “لعل ذلك يمثل، بالنسبة لي على الأقل، النتيجة الأهم والاستنتاج الأكبر من بحثنا وبالتأكيد أحد إسهامات الكتاب الرئيسية: أي فكرة وحدة القيادة وأهميتها الكبيرة وكيف يجب أن تنتبه الشركات فعلياً إلى الآليات التي تحافظ على وحدة القيادة”. ويضيف أن الأسواق المالية تفضل الشركات التي لديها “منطقاً واضحاً لإيجاد القيمة” ولكنها في الوقت نفسه “لا تفضل الشركات أحادية الأعمال. لذلك يجب أن يكون لديك محفظة أعمال، ولكنها يجب أن تكون متكاملة؛ وهذا ليس بالأمر السهل”.

وكما يقول كوسونين أن “الاندماج الاستراتيجي في أيامنا هذه هو ما يمنح الشركات قيمتها، وذلك صعب جدا على معظم قادة الأعمال الذين تدربوا على الاعتماد على أنفسهم، “القادة الأبطال” الذين يديرون منشآتهم والمدراء التنفيذيين الذين يديرونهم على أساس قاعدة الإشراف المباشر.” ويضيف أنه إذا كان على الشركات أن تزدهر نتيجة الاندماج، فعليها أن تعمل معا كفريق واحد، وهذا أمر صعب.

ويشرح دوز أن اتخاذ القرارات الجماعية يصبح صعباً لسببين. الأول، “عندما يتولى الناس مسؤولية ما ويكونون لأنفسهم هوية خاصة بهم …. لن يكونوا منفتحين كثيراً على أي أفكار تغييرية قد تجبرهم على المشاركة في عملية جماعية”. والثاني أنهم، حتى لو قاموا بذلك فسوف يظلون “شديدي الالتزام بنجاح الوحدة التي يتولون إدارتها”.

ويقول دوز: “لذلك يجب علينا خلق شكل من المسؤولية الجماعية في المستوى الأعلى بحيث يكون فريق الإدارة العليا مسؤولاً بصورة جماعية عن إضافة قيمة لما يمكن لمجموعة الأعمال ضمن الشركة أن تنجزه بمفردها”. ولكن كوسونين يشير إلى أن المسؤولية الجماعية لا تعني غياب المساءلة.

لا يكتفي كتاب “استراتيجية سريعة” بمناقشة الجوانب السياسية والمؤسساتية لبناء الفرق فحسب ولكنه يستكشف أيضاً كيفية قيام القادة باستثمار العواطف في تنشيط الفرق. ويقول دوز: “يركز المديرون والباحثون على الحوافز المؤسساتية والحوافز المرتبطة بالعلاقات الشخصية، ويغفلون بطريقة ما البعد العاطفي للالتزام. أعتقد أن نوكيا كانت مؤسسة مشحونة عاطفياً في مطلع تسعينيات القرن العشرين عندما حلق النمو في الهواتف النقالة عالياً؛ ولعلها كانت كذلك لأن فريقاً شاباً طموحاً كان يقودها. والأمر الثاني الذي توصلنا إليه أيضاً هو مدى أهمية نظرة الناس إلى الفرص، ومن جديد خطورة وجود عوائق أمام قدرة الشركات الراسخة على إدراك العالم الخارجي… كلما كانت التصورات الإدراكية التي قد تكونها أكثر تحدياً وإرباكاً، كلما كان وضعك أفضل”.

وكلما أصبحت أكثر نجاحاً، كما يقول الكاتبان، كلما تعاظم خطر خسارتك “لحيويتك الاستراتيجية”. ويقول كوسونين: “تصبح رؤيتك تدريجياً أحادية المنحى، وتكتفي بمجرد إعادة تطبيق معادلة النجاح فتصبح مواردك محتجزة في بنايات مؤسساتية مختلفة ومن ثم تبدأ وحدة قيادتك أيضاً بالتردي، يصبح الجميع مشغولين بالنمو التشغيلي…..ليس هناك تضامن ولا مسؤولية أو التزام جماعي لمزيد من تطوير المؤسسة”. وذلك هو الفخ الذي يأمل الكاتبان أن يتمكن قادة الأعمال من تجنب الوقوع فيه.

صحيح أن كتاب “الاستراتيجية السريعة” يدرس بصورة رئيسية شركات التكنولوجيا، ولكن الكاتبان يقولان إن مفهوم الحيوية الاستراتيجية ينطبق أيضاً على القطاعات الأخرى. ويعلق كوسونين: “مذهل حقاً اتساع المجال الذي يمكن فيه تطبيق ما توصلنا إليه، وكم هو قابل للتطبيق في غير شركات تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، لأن الظاهرة نفسها التي تحدث في صناعة تكنولوجيا الاتصال والمعلومات تحدث في أي مكان آخر. ليست فقط سرعة التغيير هي التي تزداد، إن طبيعة التغيير تصبح أيضاً أكثر تعقيداً وأكثر منهجية، كما يصبح التنبؤ بها أكثر صعوبة، ومن هنا تحديداً تبرز أهمية الحيوية الاستراتيجية.

 

المصدرـ ـــ ــ إنسياد

أضف تعليقاً